أبو علي سينا

271

القانون في الطب ( طبع بيروت )

فصل في اختلاط الذهن والهذيان أما اختلاط الذهن والهذيان من بين ذلك ، فالكائن بسبب الدماغ نفسه ، فهو إما مرة سوداء ، وإما دم حار ملتهب ، وإما مرة صفراء ، وإما مرّة حمراء ، إما حرّ ساذج ، وإما بخار حار ، وذلك مما تخفّ المؤنة في مثله ، وإما يبس لتقدم سهر ، أو فكر ، أو غير ذلك مما يجفف ، فيعدم الدماغ مادة روح غريزية ، بمثلها يمكن أن يحفظ طريقة العقل . والكائن بسبب عضو آخر ، أو البدن ، فذلك العضو هو كالمعدة ، أو فمها ، أو المراق ، أو الرحم ، أو البدن كله ، كما في الحميات . وكل ذلك ، إمّا لكيفية ساذجة تتأدّى إليه كما يرتفع عن الإصبع من الرجل ، ومن اليد إذا ورمت ، ومن الأعضاء الفاسدة المزاج المتورِّمة ، وإما من بخار حار من مرّة أو بلغم قد عفن واحتدّ . وأسلم اختلاط العقل ما كان مع ضحك وما كان مع سكون ، وأردؤه ما كان مع اضطراب وضجر وإقدام . العلامات : اعلم إن كل من به وجع شديد ولا يشكوه ولا يحسّ به فيه اختلاط . والبول الذهبي قد يدلّ في الحميات على اختلاط العقل . أما الكائن من السوداء ، فيكون مع غموم وظن شيء ومع علامات المالنخوليا التي نذكرها في بابه ، وإن كانت السوداء صفراوية ، كان معه سبعية وإقدام ، وإن كان السوداء دموية ، كان هناك طرب وضحك مع درور العروق . وأمّا الكائن عن الصفراء فيكون مع التهاب ، وحرارة ، وضجر ، وسوء خلق ، واضطراب شديد ، وتخيّل نار وشرار ، وحرقة آماق ، وصفرة لون ، والتهاب رأس ، وامتداد جلد الجبهة ، وغئور العينين ووثب إلى المقابلة . والذي من الحمراء فتكون هذه الأعراض فيه أشدّ وأصعب . ومن هذا القبيل اختلاط العقل الذي في الحميات ، وأكثرِ ما يكون في الوبائيات . وأما الكائن من حرّ ويبس ساذج ، فلا يكون معه ثقل ولا علامات المواد المذكورة في القوانين وفي الأبواب المقدمة . والكائن من بلغم قد عفن واحتد ، فيعرض لأصحابه أن يكون بهم مع الاختلاط رزانة ، وأن يشيلوا حواجبهم بأيديهم كل وقت ، وأن تثقل رؤوسهم ويسبتوا لجوهر البرد ، كما تختلط عقولهم لعارض الحرارة ، وهؤلاء لا يفارقون ما يمسكونه ، وربما عرض لهم أن يتوهموا أنفسهم دواب وطيور . أو بالجملة ، فإن اختلاط العقل إذا عرض عن حرارة يابسة ، فإنه يدل عليه السهر ، أو عن حرارة رطبة من دم أو بلغم عفن ، فإنه يدل عليه السبات .